عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

164

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

نقل عن الشبلي أنه قال : لو خيرني الحق سبحانه وتعالى بين الجنة والنار لاخترت النار ، لما فيه خلاف النفس . فنقل هذا الكلام إلى الجنيد ، فقال : هذا كلام الأطفال ، فقيل له : فما تقول أنت ؟ فقال : لو خيرني لقلت : أنا العبد وليس للعبد خيرة . فسبيل المريد في الابتداء : أن يؤثر كل ما يخالف نفسه على ما يوافقها ولا يسكن إلى ما فيه شرب النفس كما كان حال « الشبلي » ، وسبيل البالغ في العبودية أن لا يختار إلا ما اختاره اللّه تعالى كما كان « الجنيد » ، ولن يبلغ أحد هذه المنزلة الرفيعة إلا على سبيل التدرج ( ومبدأ التدرج ) هو ترك الاعتراض على اللّه . إلى هنا كلام الشيخ - رضي اللّه عنه - في شرائط الخلوة وكيفيتها . قلت : ومن شرائطها ترك الاعتراض على شيخه في جميع معاملاته معه ومع غيره من المريدين وغيرهم ويكون متحققا أن لا يحيط علمه بعلوم الشيخ ، فإنه يرى الشاهد ما لا يرى الغائب ويستسلم له في جميع الأحوال . فإن بالاعتراض والتمرد تنسد روزنة القلب التي هي مفتوحة إلى ولاية الشيخ ومنها يدخل ضوء أنوار الولاية فيتنور قلب المريد ويتقوى به فإذا انسدت حرم عن الاقتباس واستولت عليه ظلمة النفس ووجد الشيطان مجال التصرف ويعتريه غيرة الولاية وردها ، ومنها يتولد آفات لا تدارك لها . فأما آداب الخلوة : فمنها : أنه يجلس فيها كما يجلس في مجالس الملوك . قال بعضهم : كنت جالسا في الخلوة فمددت رجلي فسمعت هاتفا يقول : أهكذا تجالس الملوك . قال اللّه تعالى : أنا جليس من ذكرني . فلا يمد رجله فيها ويجلس مستقبل القبلة مربعا واضعا يديه على فخذيه ويواظب على كلمة « لا إله إلا اللّه » كما شرحنا في الذكر . وإذا خرج للوضوء أو للصلاة يمشي ويرجع متنكس الرأس لا يلتفت يمينا وشمالا حاضر القلب ذاكرا ، ومنها أنه إذا عرض الوقائع على الشيخ لا يزيد فيها ولا ينقص منها ، ولا يقصها على غير الشيخ ، ويضبط قول الشيخ في تأويلها ولا يشرع في حديث غير الوقائع ولا يبرمه بتطويل الكلام ويعظمه دخولا وخروجا ، ومنها أنه يكون متوجها إلى اللّه بحيث لا يتطرق إليه الملالة والسآمة ، وإن عارضه عارض من الأمراض والعلل وغيرهما لا يزعجه عن الخلوة إلا بالموت ليكون باب تصرفات النفس والشيطان عليه مسدودا . واللّه أعلم بالصواب . عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : سمعت « أبا تميم المغربي » يقول : من أخبار الخلوة على الصحبة : ينبغي أن يكون خاليا من جميع الأذكار إلا ذكر ربه وخاليا من جميع المرادات إلا مراد ربه وخاليا من مطالبة النفس من جميع الأشياء ، فإن لم